جاءني طفل عمره 12 سنة، كان يتحدث بحماس عن نجاحه وانتقاله إلى الصف الأول الإعدادي، ويردد:
«أنا شاطر يا دكتور، بس ماما بتتجنى عليّ».
كان مقتنعًا أنه أدى ما عليه، وأن والدته تبالغ في لومه وانتقاده.
استمعت إليه، ثم طلبت من والدته أن تدخل وحدها.
جلست أمامي وقالت بهدوء:
«يا دكتور، المشكلة مش في ابني لوحده. في أماكن كتير، خصوصًا في بعض القرى والمناطق، الغش في الامتحانات بقى هو الأصل. الأولاد بينجحوا سنة بعد سنة، ويمكن يوصلوا للثانوية العامة، وبعضهم يدخل الجامعة، وهو ما تعلمش تقريبًا. اللي ما يغشش يبقى هو المختلف.»
خرجت الأم من عندي، لكن كلماتها بقيت تدور في رأسي.
وبعد أيام شاهدت ما عرضه الإعلامي شريف عامر عن وسائل الغش الحديثة؛ سماعات متناهية الصغر تُخفى داخل قناة الأذن فلا تكاد تُرى، يتلقى الطالب من خلالها الإجابات من شخص خارج اللجنة عبر هاتف محمول أو جهاز إرسال، ونظارات مزودة بكاميرات دقيقة تنقل ورقة الأسئلة إلى الخارج، ثم تعود الإجابات إلى الطالب عبر السماعة أو من خلال تقنيات مدمجة بحسب نوع الجهاز.
لم يعد الغش ورقة صغيرة داخل كف اليد، بل أصبح صناعة كاملة تستفيد من أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا.
وجدتني أسأل:
كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الغش، في بعض البيئات، سلوكًا عاديًا لا يثير الخجل، بل قد يُنظر إليه باعتباره نوعًا من «الشطارة»؟
كيف تحولت قيمة كانت ترفضها الأسرة والمدرسة والمجتمع إلى ممارسة يتواطأ عليها الجميع؟
في الطب النفسي لا يعنينا السلوك وحده، بل ما يقف خلفه.
أما في علم النفس الاجتماعي فلا نكتفي بسؤال:
«لماذا فعل هذا الطالب ذلك؟»
وإنما نسأل أيضًا:
«ماذا حدث للمجتمع حتى أصبح هذا السلوك مقبولًا؟»
فالطفل لا يولد غشاشًا، بل يتعلم من البيت، ومن المدرسة، ومن أصدقائه، ومن الرسائل التي يتلقاها كل يوم.
فإذا رأى أن المجتهد والكسول يحصلان على النتيجة نفسها، وأن من يغش ينجح، بينما من يجتهد قد يضيع حقه، يبدأ عقله في إعادة تعريف النجاح… بأنه الحصول على الدرجات بأي وسيلة.
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
إن الغش ليس دائمًا نتيجة الكسل، بل تعبير عن خوف شديد من الفشل، أو عن شعور بالنقص، أو عن أسرة لا ترى في الابن إلا مجموع درجاته.
فبعض الآباء والأمهات، دون أن يشعروا، يرسلون رسالة قاسية إلى أبنائهم:
«نحبك إذا نجحت.»
فيصبح النجاح مسألة حياة أو موت، وتصبح كل الوسائل مباحة ما دامت ستنقذ الابن من الفشل أو من العقاب أو من المقارنة بالآخرين.
لكن الأخطر أن الغش لا يزور ورقة الإجابة فقط، بل يزور بناء الشخصية.
فالطالب الذي ينجح بالغش يفقد بالتدريج العلاقة الطبيعية بين الجهد والنتيجة، ويتعلم أن المكافأة يمكن أن تأتي بلا عمل، وأن المظهر أهم من الجوهر، وأن الشهادة أهم من العلم.
ومع مرور الوقت تتحول هذه القناعة إلى أسلوب حياة.
فإذا مارسها في المدرسة، فلماذا لا يمارسها في الجامعة؟
وإذا مارسها في الجامعة، فلماذا لا يمارسها في العمل؟
وهكذا لا تصبح المشكلة طالبًا يغش، بل مواطنًا يتعلم منذ صغره أن الطريق المختصر هو الطريق الصحيح.
من هنا فإن القضية لم تعد قضية تعليم فقط، بل قضية مجتمع بأكمله.
لأن المجتمع الذي يسمح بأن يتخرج طبيب لا يعرف الطب، أو مهندس لا يعرف الهندسة، أو معلم لم يتعلم، لا يدفع الثمن في قاعة الامتحان، بل يدفعه في المستشفى، وفي الطريق، وفي المصنع، وفي المحكمة، وفي كل مؤسسة من مؤسسات الدولة.
ولا يجوز، في الوقت نفسه، أن نعمم؛ فما زالت هناك مدارس محترمة، ومعلمون شرفاء، وطلاب يرفضون الغش، وما زالت هناك جهود حقيقية تبذلها الدولة لمواجهة تسريب الامتحانات وتشديد الرقابة واستخدام وسائل تقنية للحد من هذه الظاهرة.
لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بأن المشكلة أصبحت أخطر مما نتصور.
لقد خرجت من لقائي بذلك الطفل وأنا أفكر في سؤال واحد:
ماذا سيكون حاله بعد عشر سنوات؟
حين ينجح طالب بالغش، قد يرسب طالب آخر ظلمًا.
أما حين يصبح الغش ثقافة؛ فإن الذي يرسب في الحقيقة هو المجتمع كله.

Leave a Reply